الغرب «يكتشف» إيران «الصبر الاستراتيجي» يؤتي ثماره آسيا لقمان عبد الله الأربعاء 29 نيسان 2026 تحوّل في التقديرات التقل
الغرب «يكتشف» إيران: «الصبر الاستراتيجي» يؤتي ثماره
آسيا
لقمان عبد الله
الأربعاء 29 نيسان 2026
تحوّل في التقديرات التقليدية في مراكز القرار الغربية حيال إيران (من الويب)
فتحت التحوّلات التي أفرزتها الحرب على إيران الباب أمام قراءة جديدة للدور الإيراني على المستوى الدولي؛ إذ لم يعُد يُنظر إلى هذا البلد من منظار إمكاناته العسكرية المُفترضة وحضوره السياسي فقط، بل انضمّت إلى ذلك قدرته - التي ظهرت بالتجربة - على المواجهة ومرونته الدبلوماسية في المفاوضات. وتجلّى جانب من التحوّل في التقديرات التقليدية في مراكز القرار الغربية حيال إيران، في ما نُقل عن المستشار الألماني، فريدريك ميرتس، عبر «رويترز»، من أن «الإيرانيين أقوى بكثير ممّا كان يُعتقد، ويتفاوضون بمهارة فائقة».
والواقع أن استراتيجية «النَّفَس الطويل» أو «الصبر الاستراتيجي» التي اعتمدتها إيران طوال العقد الماضي، مثّلت عامل إغراء للقوى المناهضة لها؛ إذ قرأت الأخيرة هذا النهج بوصفه مؤشّر ضعف وتردّد، وسعت إلى استغلاله لتسجيل مكاسب في مواجهة طهران وحلفائها، وهذا ما دلّت عليه تصريحات بعض القادة الغربيين في الأيام الأولى للحرب، ومن بينها مثلاً قول المستشار الألماني إن «أيام النظام الإيراني باتت معدودة». غير أن المعطيات اللاحقة أظهرت أن تلك الاستراتيجية لم تكن ناتجة من عجز، بل هي مرتبطة بمبدأ مراكمة القدرات تدريجياً، استعداداً لمواجهة كبرى، حتى وإن استدعى ذلك امتصاص الضربات واحتواء تداعياتها. وفي هذا الإطار، لم تشأ إيران الكشف عن أوراق قوتها أو تفعيلها قبل بلوغ مستوى من الجهوزية يتيح لها خوض مواجهة تكون قادرة خلالها على إعادة رسم خرائط التوازنات في المنطقة بما ينسجم مع حجمها وإمكاناتها.
أفرزت الحرب معادلة مفادها أن أمن الدول المعادية والمصالح الغربية في المنطقة لم يعد منفصلاً عن أمن إيران
في المقابل، رجّحت الإدارة الأميركية أن هذه «العقلانية» ستمنع إيران من اتخاذ قرارات تصعيدية قصوى، ولم تضع في حساباتها احتمال لجوء الأخيرة إلى تفعيل أوراق حساسة. وبالفعل، ثبُت من خلال المعلومات المُسرّبة عن المداولات الأميركية التي سبقت الحرب، أن الرئيس دونالد ترامب لم يتوقّع خطوات من مثل إغلاق مضيق هرمز أو استهداف القواعد الأميركية في الخليج والأردن. وجاء ذلك على الرغم من أن حرب الـ12 يوماً في حزيران الماضي، مثّلت اختباراً عملياً أولياً لفاعلية القدرات الإيرانية، وأنه كان من الواضح اشتغال طهران، عقب تلك الحرب، ليلَ نهارَ، على معالجة الثغرات في منظومتها، وإعداد خطط لتأمين الاحتياجات الإنسانية الأساسية، وتخزين مواد تموينية تكفي لعام كامل، فضلاً عن ترميم القدرات العسكرية وتطويرها استناداً إلى الدروس المُستخلصة.
وإذ كشفت الحرب الحالية محدودية فاعلية القوة النارية التقليدية لكلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل أمام توظيف الجغرافيا وأدوات الردّ غير المتناظرة، فهي انتهت إلى حرب استنزاف، من دون أن تكون ثمة مؤشرات إلى الآن على تبلور استراتيجية خروج واضحة لدى صنّاع القرار في واشنطن. كذلك، أفرزت الحرب معادلات جديدة من بينها أفول أنماط الهيمنة التقليدية على بعض الممرّات الحيوية، وارتباط أمن الدول المناوئة لإيران والمصالح الغربية في المنطقة بأمن الجمهورية الإسلامية، التي ثبت أن تصعيد العدوان عليها ينعكس على استقرار النظام الاقتصادي العالمي.
وعلى الرغم من تكرّس معادلة «الأمن للجميع والاقتصاد للجميع»، فإن إيران لم تلجأ إلى استخدام كامل أوراقها بعد، إذ لا تزال تحتفظ بجملة من الأدوات غير المُفعّلة. ذلك أنها بقدر ما خاضت المواجهة من منطلق البقاء، فهي حرصت على إدامة الصراع ضمن سقوف مدروسة - بما يمنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة أو حرب وجودية مفتوحة -، واستخدام أدوات الضغط بشكل مُتدرّج ومُوجّه، بما يحقّق أهداف الردع من دون كسر كامل لقواعد الاشتباك القائمة. ويعكس هذا النهج رغبة في الموازنة بين متطلّبات الحماية الاستراتيجية ومقتضيات إدارة الصراع الطويل الأمد.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها